استئنافية الجديدة تخفف العقوبة وتؤكد الإدانة.. ملف أعوان السلطة يعيد النقاش حول تزوير الوثائق الإدارية وحماية المرفق العمومي
أسدلت محكمة الاستئناف بالجديدة، مساء الأربعاء، الستار على واحدة من القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل الأوساط المحلية والإدارية، بعدما قررت تخفيض العقوبة الحبسية الصادرة في حق ثلاثة أعوان سلطة كانوا يشتغلون بالملحقة الإدارية الرابعة بمدينة الجديدة، من أربع سنوات حبسا نافذا إلى سنتين نافذتين لكل واحد منهم، مع الإبقاء على الغرامة المالية المحددة في عشرة ملايين سنتيم.
ورغم قرار التخفيف، فإن الهيئة القضائية أبقت على جوهر الإدانة، في إشارة واضحة إلى ثبوت التهم المرتبطة بتزوير وثائق وشواهد إدارية واستعمالها في مساطر رسمية، وهي القضية التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول خطورة التلاعب بالوثائق العمومية وانعكاساته على ثقة المواطنين في الإدارة والمؤسسات.
وتعود تفاصيل الملف إلى تحقيقات باشرتها عناصر الشرطة القضائية عقب معطيات وشبهات مرتبطة بوجود اختلالات في تحرير وتسليم وثائق إدارية، قبل أن تكشف الأبحاث عن معطيات وقرائن اعتُبرت كافية لتحريك المتابعة القضائية في حق المتهمين، تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن القضية تتعلق باستعمال وثائق وشهادات إدارية في مساطر يفترض أن تخضع لضوابط قانونية دقيقة، ما جعل الملف يأخذ بعداً حساساً بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلع بها أعوان السلطة داخل الإدارة الترابية، باعتبارهم من بين الواجهات المباشرة التي يتعامل معها المواطن في عدد من الإجراءات الإدارية اليومية.
ويرى متابعون أن الحكم الاستئنافي، رغم تخفيفه للعقوبة السجنية، يحمل رسائل قوية تتعلق بتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في القضايا المرتبطة بالتزوير واستغلال الصفة الوظيفية، وهي الجرائم التي تعتبرها الدولة من بين الملفات التي تمس بصورة الإدارة العمومية وبمصداقية الوثائق الرسمية.
كما تعكس هذه القضية حجم التحديات التي ما تزال تواجه بعض المرافق الإدارية على مستوى الحكامة والرقابة الداخلية، في ظل استمرار تسجيل ملفات متفرقة مرتبطة باستغلال النفوذ أو التلاعب بالوثائق والشهادات الإدارية، وهي ممارسات تدفع المؤسسات الرقابية والقضائية إلى تشديد المتابعة والمراقبة.
وفي هذا السياق، يعتبر مختصون أن الوثيقة الإدارية لم تعد مجرد ورقة عادية داخل المساطر اليومية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في حماية الحقوق وضمان الأمن القانوني للمواطنين والمؤسسات، ما يجعل أي تلاعب بها يهدد بشكل مباشر مبدأ الثقة في الإدارة العمومية.
كما يعيد هذا الملف النقاش حول ضرورة تعزيز الرقمنة داخل الإدارات العمومية وتقوية آليات المراقبة والتتبع الإلكتروني للوثائق والمساطر الإدارية، بهدف الحد من التدخل البشري وتقليص فرص التلاعب أو التزوير، خاصة في القطاعات التي تعرف احتكاكاً مباشراً وكثيفاً مع المواطنين.
ولم يخفِ عدد من المتابعين للشأن المحلي بمدينة الجديدة أن القضية خلفت صدى واسعاً، بالنظر إلى ارتباطها بأعوان سلطة يفترض فيهم السهر على تطبيق القانون وخدمة المواطنين، وهو ما زاد من حساسية الملف ومن حجم الاهتمام الذي رافق أطواره منذ انطلاق التحقيقات إلى غاية صدور الحكم الاستئنافي.
وفي المقابل، يرى حقوقيون أن احترام ضمانات المحاكمة العادلة يبقى أساسياً في مثل هذه الملفات، مؤكدين أن القضاء وحده يبقى الجهة المخول لها الفصل في الوقائع وتحديد المسؤوليات، بعيداً عن أي أحكام مسبقة أو تأويلات خارج المساطر القانونية.
ويؤكد الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالجديدة أن الدولة تتجه نحو مزيد من التشدد في مواجهة الجرائم المرتبطة بالوثائق الرسمية والإدارة العمومية، في إطار مسار يروم تعزيز الشفافية وترسيخ الثقة في المؤسسات، وحماية المرفق العام من كل الممارسات التي قد تمس بنزاهته أو بمصداقيته أمام المواطنين.
