جهات الدار البيضاء–سطات في قلب العاصفة المائية.. “الداخلية” تشدد الخناق على الآبار السرية وسط معطيات ميدانية مقلقة

images

في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي من تفاقم أزمة المياه الجوفية، وجهت المصالح المركزية بوزارة الداخلية تعليمات استعجالية إلى مختلف المسؤولين الترابيين بعدد من جهات المملكة، في مقدمتها جهة الدار البيضاء–سطات وجهة الرباط–سلا–القنيطرة، من أجل تشديد المراقبة الميدانية ومحاصرة ما يوصف بأنشطة “بارونات” الآبار السرية واستنزاف الفرشات المائية خارج الإطار القانوني.

وتضمنت هذه التوجيهات، وفق مصادر مطلعة، دعوة مباشرة إلى القواد والباشوات ورؤساء الدوائر إلى تكثيف الحملات الوقائية داخل النفوذ الترابي، بتنسيق مع مصالح الدرك الملكي ووكالات الأحواض المائية، في سياق مقاربة أكثر صرامة تستهدف الحد من تنامي الحفر غير المرخص واستغلال الموارد المائية الجوفية بشكل عشوائي.

جهة الدار البيضاء–سطات في صدارة المناطق الأكثر حساسية

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن جهة الدار البيضاء–سطات تعد من بين أكثر المناطق حساسية في هذا الملف، بالنظر إلى الضغط المتزايد على الفرشات المائية بفعل التوسع العمراني السريع، وتزايد الأنشطة الفلاحية والصناعية التي تعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية، خاصة في محيطات سطات وبرشيد والنواصر ومديونة.

وبحسب مصادر ميدانية، فقد رصدت تقارير تقنية تجاوز عدد الآبار المحفورة دون ترخيص عتبة الألفين في عدد من المناطق، مقابل تسجيل حوالي 400 موقع حفر داخل جماعات ترابية، لا يتوفر سوى أقل من 70 منها على التراخيص القانونية اللازمة، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الواقع الميداني والمساطر التنظيمية الجاري بها العمل.

شبكات حفر سرية ومعطيات عن “اقتصاد مائي غير مهيكل”

وتتحدث مصادر مطلعة عن اتساع نشاط شبكات متخصصة في حفر الآبار والثقوب المائية خارج القانون، مستفيدة من تعقيدات المساطر الإدارية المرتبطة بتراخيص الحفر، وتأخر انعقاد اللجان الإقليمية المختلطة، وهو ما خلق فراغاً تنظيمياً استغلته جهات متعددة لتوسيع نشاطها.

كما تفيد المعطيات ذاتها بوجود شبهات حول “اقتصاد مائي غير مهيكل”، يرتكز على تقاطعات بين فاعلين فلاحيين ومنعشين عقاريين وشركات خاصة، تلجأ إلى استغلال المياه الجوفية لأغراض الري أو أنشطة صناعية، في بعض الحالات تحت غطاء استعمالات فردية، قبل أن تكشف عمليات المراقبة اختلافاً بين التصريحات القانونية وواقع الاستغلال.

تقارير رقابية وتوجيهات مشددة

وأكدت مصادر أن وزارة الداخلية استندت في تحركاتها إلى تقارير ميدانية استبقت فصل الصيف، حذرت من تنامي مخاطر الإجهاد المائي رغم التساقطات المسجلة خلال الموسم الحالي، ما دفع إلى إعادة ترتيب أولويات المراقبة المائية بشكل استعجالي.

وفي هذا السياق، شددت التوجيهات الجديدة على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة في حال تسجيل أي تهاون أو تستر على أنشطة الحفر غير القانوني، مع إلزام السلطات المحلية بتعبئة أعوانها لجمع معطيات دقيقة حول المواقع المشبوهة، وحصر طبيعة الاستغلال والكميات المستخرجة والوضعية القانونية لكل بئر أو ثقب مائي.

كما تم التأكيد على ضرورة إعداد تقارير مفصلة وموحدة من طرف رجال السلطة، مع التحقق من مدى تطابق محاضر شرطة المياه مع المعاينات الميدانية، في ظل تسجيل حالات تفاوت بين المعطيات التقنية والتقارير الإدارية في بعض المناطق.

اختلالات التدبير وتراكم الإكراهات

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن إشكالية الآبار السرية لا ترتبط فقط بالمخالفات الفردية، بل تمتد إلى اختلالات في مساطر منح التراخيص، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وتداخل الاختصاصات بين المتدخلين، وهو ما ساهم في تعطيل معالجة عدد من الملفات بشكل سريع وفعال.

كما تتحدث تقارير ميدانية عن تسجيل شكايات متكررة من طرف فلاحين ومستثمرين صغار، يؤكدون فيها صعوبة الولوج إلى المياه المرخصة، مقابل توسع أنشطة حفر غير قانونية في بعض المناطق، ما يطرح إشكالات مرتبطة بالعدالة المائية وتكافؤ الفرص في استغلال الموارد الطبيعية.

نحو مقاربة زجرية أكثر صرامة

ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديداً أكبر في المراقبة، خاصة في جهة الدار البيضاء–سطات التي باتت تمثل إحدى أبرز بؤر الضغط على الموارد المائية، سواء بفعل الطلب المتزايد أو بفعل توسع أنشطة غير مهيكلة تعتمد بشكل كبير على استنزاف الفرشات الجوفية.

كما يُنتظر أن تفضي هذه التحركات إلى إعادة ترتيب المشهد المائي على المستوى الترابي، من خلال مراجعة التراخيص، وتوسيع عمليات المراقبة، وتعزيز التنسيق بين السلطات الترابية والمصالح التقنية المختصة، في محاولة لوقف نزيف مائي بات يهدد التوازن البيئي والاقتصادي في عدد من المناطق.

وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه الحملات الميدانية، يبقى ملف الآبار السرية مفتوحاً على مزيد من المتابعة، في ظل تزايد المخاوف من استمرار استنزاف الموارد المائية الجوفية خارج الإطار القانوني، وما يرافق ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن المائي بالمملكة، وخاصة بجهة الدار البيضاء–سطات التي تبدو في صدارة هذا التحدي المعقد.

About The Author