غابة الحوزية تحت المجهر.. من يحمي الرئة الخضراء للجديدة من القطع والتخريب؟

716630467_1302738752046192_8075033672785057913_n

في الوقت الذي يرفع فيه المغرب شعارات التنمية المستدامة، ومواجهة التغيرات المناخية، وتوسيع المساحات الغابوية عبر برامج وطنية طموحة، تعيش غابة الحوزية بإقليم الجديدة على وقع استنزاف مقلق يهدد أحد أهم الفضاءات البيئية والطبيعية بالمنطقة، وسط تساؤلات متزايدة حول دور الجهات المكلفة بحماية الملك الغابوي ومدى احترام القوانين المنظمة للبيئة.

فالغابة التي تمتد على طول يقارب تسعة كيلومترات، وتشكل المتنفس الطبيعي الوحيد لآلاف الأسر بمدينة الجديدة والجماعات المجاورة، تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مسرح لعمليات قطع أشجار وتخريب طالت أجزاء من غطائها النباتي، وفق معطيات ميدانية وصور متداولة توثق إزالة أشجار معمرة من الأوكالبتوس والصنوبر، إلى جانب انتشار الأزبال ومخلفات البناء داخل عدد من المواقع الغابوية.

ولم تعد القضية مرتبطة بمجرد قطع بعض الأشجار أو تسجيل تجاوزات معزولة، بل أصبحت تتعلق بمصير منظومة بيئية متكاملة تؤدي أدواراً حيوية في التوازن الإيكولوجي للمنطقة، بدءاً من تنقية الهواء وتثبيت التربة والحد من زحف الرمال، وصولاً إلى توفير فضاء طبيعي للترفيه وممارسة الرياضة والاستجمام.

أين مندوبية المياه والغابات؟

أول سؤال يفرض نفسه بقوة هو: أين الوكالة الوطنية للمياه والغابات من كل ما يجري؟

فالجهة المكلفة قانوناً بحماية الملك الغابوي ومراقبة الاستغلال غير المشروع للغابات مطالبة اليوم بتقديم توضيحات للرأي العام المحلي حول حقيقة ما يجري داخل غابة الحوزية، وحول التدابير التي تم اتخاذها لمواجهة أي اعتداء محتمل على هذا الموروث البيئي.

كما أن حجم المعطيات المتداولة يفرض، بحسب متابعين للشأن البيئي، انتقال السلطات المختصة من مرحلة الصمت إلى مرحلة التدخل الميداني الفوري، سواء من خلال فتح تحقيق إداري وتقني أو عبر القيام بعمليات معاينة دقيقة لتحديد طبيعة الأشغال والأضرار والمسؤوليات المحتملة.

السلطات الترابية أمام اختبار حقيقي

ولا تقف المسؤولية عند حدود قطاع المياه والغابات فقط، بل تمتد أيضاً إلى السلطات الترابية والمنتخبة، التي يقع ضمن اختصاصاتها السهر على احترام القوانين المتعلقة بالبيئة والتعمير واستعمال المجال.

فإذا كانت هناك عمليات قطع للأشجار أو استغلال للمجال الغابوي خارج الإطار القانوني، فإن الأمر يستوجب تفعيل آليات المراقبة والزجر المنصوص عليها في التشريعات الوطنية، خاصة أن الدستور المغربي جعل الحق في بيئة سليمة من الحقوق الأساسية للمواطنين.

إن ترك الغابة تواجه مصيرها في صمت قد يفتح الباب أمام مزيد من التجاوزات، ويشجع على استغلال غير مشروع لمجال يعتبر جزءاً من الملك العمومي البيئي الذي يفترض أن يحظى بأعلى درجات الحماية.

أكثر من 200 ألف مواطن معنيون بالأمر

غابة الحوزية ليست مجرد مساحة مغطاة بالأشجار، بل تمثل رئة خضراء حقيقية يستفيد منها أكثر من 200 ألف نسمة من سكان الجديدة وضواحيها.

وفي ظل موجات الحرارة المتصاعدة التي تعرفها المملكة بفعل التغيرات المناخية، تكتسب هذه الفضاءات الطبيعية أهمية استراتيجية مضاعفة، باعتبارها تساهم في تلطيف المناخ المحلي وتقليص آثار التلوث وتحسين جودة الحياة داخل المدن.

ولهذا فإن أي تراجع في المساحات الغابوية لا ينعكس فقط على المشهد البيئي، بل يمتد تأثيره إلى الصحة العامة والتوازن المناخي والتنمية المحلية.

ماذا عن برنامج “أغراس”؟

وتزداد حدة التساؤلات عندما يتم استحضار برنامج “أغراس” والاستراتيجية الوطنية “غابات المغرب 2020-2030″، التي رصدت لها الدولة استثمارات ضخمة بهدف حماية الغابات وإعادة تأهيلها وتوسيعها.

فإذا كانت هناك بالفعل أشجار تم اقتلاعها أو مساحات تم استنزافها، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف ما إذا كانت هناك خطط لإعادة التشجير والتعويض البيئي، وما إذا كانت الجهات المختصة تتابع بشكل فعلي وضعية هذه الغابة التي تعد من أبرز المؤهلات الطبيعية بإقليم الجديدة.

بين التنمية وحماية البيئة

لا أحد يعارض مشاريع التنمية أو تحسين البنيات التحتية، لكن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تكون على حساب البيئة أو على حساب الأجيال القادمة.

ففي مختلف دول العالم المتقدمة، أصبحت الغابات والمجالات الطبيعية جزءاً من الثروة الوطنية التي تخضع لحماية صارمة، ويتم التعامل معها باعتبارها استثماراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الطرق والموانئ والمناطق الصناعية.

أما في حالة غابة الحوزية، فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وتحديد طبيعة الأشغال الجارية، والتحقق من مدى قانونيتها، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء.

قبل أن تتحول الغابة إلى ذكرى

إن ما يحدث داخل غابة الحوزية يستدعي ناقوس خطر حقيقياً. فالمغرب الذي يراهن على الانتقال الأخضر ومواجهة التغيرات المناخية لا يمكنه أن يسمح بتراجع رصيده الغابوي أو باستنزاف فضاء طبيعي يشكل جزءاً من ذاكرة مدينة الجديدة وهويتها البيئية.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل من الوكالة الوطنية للمياه والغابات والسلطات الإقليمية والجهات المختصة، لفتح تحقيق شفاف وشامل، ونشر نتائجه للرأي العام، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية هذه الرئة الخضراء.

فالغابات لا تموت دفعة واحدة، بل تموت بصمت عندما يغيب الرقيب وتتأخر المحاسبة. وغابة الحوزية تستحق أن تُحمى قبل أن تتحول من فضاء للحياة إلى مجرد صور في ذاكرة سكان الجديدة.

About The Author