تحليل إخباري | شوكي يقدّم “رواية الحصيلة”… من لغة الأرقام إلى منطق المسار: كيف يدافع الأحرار عن اختيارات حكومة أخنوش في زمن الضغط الاجتماعي؟
في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، اختار محمد شوكي أن يقدّم قراءة مختلفة للحصيلة الحكومية، تتجاوز منطق الأرقام الجامدة إلى ما أسماه “مسار صعود بلد يواجه التحديات”. هذا الطرح لا يأتي في سياق عادي، بل في ظرفية تتسم بضغط القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد انتظارات المواطنين، ما يجعل أي تقييم للحكومة رهيناً بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الواقعية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
من “لغة الأرقام” إلى “سردية المسار”
تصريح شوكي لم يكن مجرد دفاع سياسي تقليدي عن الحكومة، بل محاولة لإعادة تأطير النقاش العمومي. فبدل الاكتفاء بعرض المؤشرات الرقمية، يسعى إلى بناء “سردية سياسية” تقوم على فكرة أن ما تحقق ليس مجرد إجراءات ظرفية، بل جزء من رؤية متكاملة تقودها حكومة عزيز أخنوش.
هذا التحول في الخطاب يعكس وعياً متزايداً داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بأن معركة التقييم لم تعد تقنية فقط، بل هي أيضاً معركة تواصلية، تُبنى فيها القناعة عبر تفسير السياسات وربطها بحياة المواطنين اليومية.
ثلاثية التدخل… اقتصاد وسيادة وثقة
حدد شوكي ثلاث أولويات كبرى تشكل جوهر عمل الحكومة:
أولاً، الحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني وسيادة القرار. وهي نقطة بالغة الحساسية في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، حيث اختار المغرب، وفق هذا الطرح، تجنب الانزلاق نحو اختلالات مالية خطيرة، مع الحفاظ على استقلالية قراره الاقتصادي.
ثانياً، بناء الدولة الاجتماعية، وهو الورش الذي يُعد الأكثر طموحاً، والذي انتقل من مجرد شعار إلى إجراءات ملموسة، وفق ما يؤكده المسؤول الحزبي.
ثالثاً، إعادة الثقة في العمل السياسي، وهي معركة غير مرئية لكنها حاسمة، بالنظر إلى تراجع الثقة في المؤسسات خلال السنوات الماضية.
هذه الثلاثية تكشف عن مقاربة متكاملة، تحاول الجمع بين الاستقرار الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي والتوازن السياسي.
الدولة الاجتماعية… من الخطاب إلى الأثر
من أبرز النقاط التي ركز عليها شوكي، تلك المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، حيث أشار إلى استفادة حوالي 12 مليون مواطن من برامج الدعم، وتوسيع التغطية الصحية لتشمل أكثر من 22 مليون مغربي.
هذه الأرقام، إذا وُضعت في سياقها، تعكس تحوّلاً بنيوياً في طبيعة تدخل الدولة، التي انتقلت من منطق الدعم الظرفي إلى منطق الحماية الشاملة. كما أن تأهيل 1400 مركز صحي يشير إلى محاولة إعادة بناء الثقة في الخدمات العمومية، خاصة في قطاع ظل لسنوات محط انتقادات واسعة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تعميم هذه البرامج، بل في ضمان استدامتها وجودتها، وهو ما سيحدد مدى نجاح هذا الورش على المدى المتوسط والبعيد.
القدرة الشرائية… اختبار المصداقية
رغم كل هذه الإجراءات، تبقى مسألة القدرة الشرائية التحدي الأكبر. فالتضخم، الذي أشار إليه شوكي، لا يزال يلقي بظلاله على الحياة اليومية للمغاربة، خاصة في ما يتعلق بأسعار المواد الأساسية.
هنا، تحاول الحكومة، بحسب الخطاب الرسمي، التخفيف من حدة هذا الضغط عبر دعم المواد الأساسية، وضخ مليارات الدراهم في السوق، إلى جانب تحسين أجور أكثر من مليون موظف.
لكن هذا الجهد، رغم أهميته، يواجه انتقادات من طرف المعارضة، التي تعتبره غير كافٍ أو غير عادل في توزيعه.
ما يطرحه شوكي في هذا السياق، هو أن الحكومة اختارت “التدخل” بدل “الانتظار”، في إشارة إلى أن غياب هذه الإجراءات كان سيؤدي إلى وضع أكثر تعقيداً.
التجار والحرفيون… ركيزة الاقتصاد غير المهيكل
في جزء مهم من خطابه، خصّ شوكي فئة التجار والحرفيين باهتمام خاص، معتبراً إياهم عماد الاقتصاد الوطني. هذا التوجه ليس اعتباطياً، بل يعكس إدراكاً لأهمية هذه الفئة، التي تشكل جزءاً كبيراً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
فالتجار والصناع التقليديون لا يساهمون فقط في الدورة الاقتصادية، بل يمثلون أيضاً حلقة وصل مباشرة مع المواطنين، ويعكسون نبض الأسواق والقدرة الشرائية الحقيقية.
غير أن هذه الفئة تواجه تحديات كبيرة، من بينها المنافسة غير المتكافئة، والضغط الضريبي، والتحولات الرقمية، ما يجعل إدماجها في أي إصلاح اقتصادي أمراً ضرورياً لضمان التوازن.
بين الدفاع السياسي وبناء الثقة
لا يمكن فصل تصريحات شوكي عن السياق السياسي العام، حيث يسعى حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تعزيز موقعه كحزب يقود الإصلاح، في مواجهة انتقادات متزايدة.
غير أن هذا الدفاع لا يقتصر على الرد على المعارضة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة بناء ثقة جديدة مع المواطنين، عبر تقديم خطاب يربط بين القرارات الحكومية ونتائجها على أرض الواقع.
هذه الاستراتيجية تعتمد على فكرة أن المصداقية تُبنى بالتراكم، وليس بالشعارات، وهو ما يفسر التركيز على الأرقام والبرامج والإنجازات.
نقد ممكن… وحدود الخطاب الرسمي
رغم قوة الطرح الذي قدمه شوكي، إلا أن هذا الخطاب يظل مفتوحاً على النقد. فالمواطن لا يقيس السياسات بالأرقام فقط، بل بتأثيرها المباشر على حياته اليومية.
كما أن بعض الأوراش، رغم أهميتها، لا تزال في مراحلها الأولى، ما يجعل الحكم عليها سابقاً لأوانه. إضافة إلى ذلك، فإن مسألة العدالة في توزيع الدعم، ونجاعة بعض البرامج، تظل محل نقاش.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الحكومة تواجه ظرفية دولية معقدة، تتسم بارتفاع الأسعار، وتداعيات الأزمات العالمية، وهو ما يفرض قراءة متوازنة للحصيلة.
الأحرار… من حزب انتخابي إلى حزب تدبير
تصريحات شوكي تعكس أيضاً تحوّلاً داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لم يعد مجرد حزب انتخابي، بل أصبح حزب تدبير، يتحمل مسؤولية قرارات كبرى، ويواجه تبعاتها.
هذا التحول يفرض على الحزب تطوير خطابه، والانتقال من منطق الوعود إلى منطق التبرير والتفسير، وهو ما يبدو واضحاً في طريقة عرض الحصيلة.
معركة الإنجاز والتواصل
في نهاية المطاف، يمكن القول إن خطاب محمد شوكي يندرج ضمن محاولة لإعادة صياغة النقاش حول الحصيلة الحكومية، عبر الانتقال من تقييم رقمي ضيق إلى قراءة شمولية تأخذ بعين الاعتبار السياق والتحديات.
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بقدرة الحكومة على ترجمة هذه “السردية” إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ففي السياسة، لا يكفي أن تشتغل… بل يجب أن تُقنع.
ولا يكفي أن تُنجز… بل يجب أن تُحسن رواية ما أنجزت.
