ديربي دكالة بصمت المدرجات: الدفاع الحسني الجديدي يحسم المواجهة أمام نهضة الزمامرة في مشهد كروي بلا روح
لم تكن مباراة “ديربي دكالة” التي احتضنها ملعب العبدي بمدينة الجديدة مجرد مواجهة كروية بين فريقين جارين، بل تحولت إلى مرآة تعكس تحولات عميقة يعرفها المشهد الكروي الوطني، بعدما جرت أطوارها في أجواء باهتة، ووسط مدرجات شبه فارغة، في مفارقة صارخة مع ما يفترض أن تحمله مثل هذه المباريات من حماس جماهيري وزخم محلي.
فوز رياضي في مقابل خسارة جماهيرية
على المستوى التقني، نجح فريق الدفاع الحسني الجديدي في حسم اللقاء لصالحه بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور، ولو أن هذا الأخير كان شبه غائب. المباراة عرفت تنافساً تكتيكياً متوازناً في فترات عديدة، حيث حاول فريق نهضة الزمامرة مجاراة إيقاع أصحاب الأرض والبحث عن نتيجة إيجابية خارج قواعده، غير أن الفعالية الهجومية للفريق الجديدي حسمت المواجهة في نهاية المطاف.
ورغم أهمية النتيجة بالنسبة لمسار الفريقين في البطولة، إلا أن الانطباع العام الذي خلفته المباراة لم يرتبط بالأداء فوق أرضية الميدان بقدر ما ارتبط بالمشهد خارج الخطوط، حيث طغى “الصمت” على المدرجات، في غياب شبه كلي للأجواء التي تصنع عادة هوية مثل هذه الديربيات.
مدرجات فارغة وأسئلة معلقة
المعطيات المتداولة تشير إلى أن عدد الحضور لم يتجاوز ما بين 300 و400 متفرج، وهو رقم ضعيف للغاية بالنظر إلى الطابع الجهوي للمباراة، الذي كان يفترض أن يستقطب جماهير غفيرة من المدينتين. هذا الحضور المحتشم يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب هذا العزوف غير المسبوق، خاصة في سياق تعيش فيه كرة القدم المغربية مفارقة بين الشعبية الواسعة للعبة وتراجع الإقبال على الملاعب.
في غياب توضيحات رسمية من إدارات الأندية أو الجهات المنظمة، تتداول بعض فئات الأنصار تفسيرات متعددة، من بينها ما يرتبط بطريقة التسيير داخل الفرق، ومنها ما يتصل بتراجع الثقة في المنتوج الكروي المحلي، فضلاً عن عوامل أخرى مثل توقيت المباريات، وظروف الولوج، وحتى التحولات الاجتماعية التي غيرت عادات التتبع لدى الجمهور.
أزمة ثقة أم تحول في السلوك الجماهيري؟
ما حدث في ديربي دكالة لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل عدداً من الملاعب المغربية، حيث أصبح مشهد المدرجات الفارغة يتكرر في مباريات عدة، بما فيها مواجهات كانت إلى وقت قريب تستقطب حضوراً جماهيرياً كبيراً. هذا التحول يفتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين الجمهور والأندية، وحول ما إذا كان الأمر يتعلق بأزمة ثقة حقيقية أم بتحول تدريجي في سلوك المشجعين.
ففي ظل انتشار البث الرقمي وسهولة متابعة المباريات عن بعد، لم يعد الذهاب إلى الملعب الخيار الوحيد لعشاق الكرة، خصوصاً إذا لم تتوفر شروط الفرجة الجيدة من حيث التنظيم والأمن وجودة الخدمات. كما أن تكرار بعض الظواهر السلبية، مثل شغب الملاعب أو ضعف التنافسية، قد يدفع فئات من الجمهور إلى العزوف.
الحكامة والتسيير: عامل حاسم في استعادة الجمهور
من بين العوامل التي يربط بها متتبعون هذا التراجع، مسألة الحكامة داخل الأندية، حيث يُطرح سؤال كبير حول مدى قدرة الفرق على بناء علاقة متينة مع جماهيرها، قائمة على الشفافية والتواصل المستمر. فالجمهور لم يعد مجرد متفرج، بل أصبح فاعلاً أساسياً في المنظومة، ينتظر إشراكه في الرؤية العامة للنادي، أو على الأقل اطلاعه على توجهاته الكبرى.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى اعتماد استراتيجيات حديثة في التسيير، تشمل تطوير تجربة المشجع داخل الملعب، وتحسين البنيات التحتية، وتبني سياسات تواصلية فعالة تعيد الثقة بين الطرفين. كما أن الاستثمار في الفئات الشابة من الجمهور، عبر برامج تأطيرية وتربوية، يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة الحيوية إلى المدرجات.
ديربي بلا جمهور… رسالة إلى الفاعلين
إن إجراء مباراة بحجم ديربي دكالة أمام مدرجات شبه فارغة لا يمكن اعتباره مجرد حدث عابر، بل هو رسالة قوية إلى مختلف الفاعلين في الحقل الكروي، من أندية وجامعة وعصبة احترافية وسلطات محلية، مفادها أن هناك خللاً يستدعي المعالجة.
هذه الرسالة تزداد أهمية إذا ما تم ربطها بما شهدته ملاعب أخرى من أحداث متباينة، بين عزوف جماهيري من جهة، وانفلات في بعض المباريات من جهة أخرى، ما يعكس غياب توازن في تدبير الفضاءات الرياضية، بين الأمن والجاذبية، وبين التنظيم والفرجة.
نحو إعادة الاعتبار للمدرجات
إعادة الجمهور إلى الملاعب لا يمكن أن تتم عبر إجراءات ظرفية، بل تتطلب رؤية شمولية تعيد الاعتبار للمدرجات كجزء أساسي من اللعبة. هذه الرؤية تمر عبر تحسين جودة المنافسة، وتعزيز الثقة في التسيير، وضمان أمن وسلامة المتفرجين، إضافة إلى خلق أجواء تشجيعية إيجابية تشجع العائلات على الحضور.
في النهاية، قد يكون فوز الدفاع الحسني الجديدي في هذا الديربي مهماً على مستوى الترتيب، لكنه يظل منقوصاً من حيث القيمة الرمزية، في ظل غياب الجمهور الذي يمنح مثل هذه المباريات نكهتها الخاصة. وبين نتيجة تُسجل في الأرشيف، ومدرجات فارغة تطرح الأسئلة، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة الروح إلى كرة القدم، من المدرجات قبل المستطيل الأخضر.
