مليار درهم جديد من القروض لجهة الدار البيضاء – سطات.. فهل ينصف المجلس إقليم الجديدة أم يستمر منطق التهميش؟
في الوقت الذي صادقت فيه اللجنة الدائمة المكلفة بالميزانية والشؤون المالية والبرمجة بمجلس جهة الدار البيضاء – سطات على الموافقة المبدئية لطلب قرض جديد بقيمة مليار درهم من الوكالة الفرنسية للتنمية، عاد النقاش بقوة حول العدالة المجالية في توزيع المشاريع والاستثمارات العمومية بين أقاليم الجهة، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة التي تتحدث عن استمرار تركيز الجزء الأكبر من المشاريع والاعتمادات المالية في محور الدار البيضاء الكبرى على حساب أقاليم أخرى ما تزال تنتظر نصيبها من التنمية.
ويأتي هذا القرض الجديد بعد توجه سابق للمجلس نحو الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي بالمبلغ نفسه، في خطوة تعكس حجم الالتزامات المالية المرتبطة ببرنامج التنمية الجهوية 2022-2027، لكنها تطرح في المقابل تساؤلات حقيقية حول أولويات صرف هذه الموارد المالية ومدى استفادة مختلف الأقاليم منها بشكل متوازن ومنصف.
الجديدة.. الإقليم الذي ينتظر الإنصاف
وفي مقدمة الأقاليم التي تتطلع إلى مراجعة خريطة الاستثمارات الجهوية، يبرز إقليم الجديدة باعتباره واحداً من أكبر الأقطاب الاقتصادية والسياحية بالجهة، وواحداً من الأقاليم التي يرى عدد من الفاعلين المحليين أنها لم تستفد بالشكل الذي ينسجم مع مؤهلاتها الاستراتيجية ومكانتها داخل الجهة.
فالجديدة ليست مجرد إقليم عادي ضمن التقسيم الإداري للجهة، بل تعد عاصمة تاريخية لمنطقة دكالة، وواجهة سياحية وطنية تضم شواطئ ممتدة ومواقع تاريخية وتراثية ذات إشعاع دولي، فضلاً عن احتضانها لمشاريع صناعية كبرى ومؤسسات اقتصادية حيوية تساهم بشكل مباشر في الاقتصاد الوطني.
كما يشكل الإقليم أحد أهم المتنفسات الطبيعية لساكنة الدار البيضاء الكبرى، حيث تستقطب شواطئ الجديدة وأزمور وسيدي بوزيد والوليدية ومختلف المناطق الساحلية بالإقليم مئات الآلاف من الزوار سنوياً، خاصة خلال فصل الصيف والعطل والمناسبات الوطنية.
كأس العالم 2030 يفرض رؤية جديدة
ومع اقتراب المغرب من احتضان نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تزداد الدعوات إلى ضرورة إعادة النظر في خريطة الاستثمارات داخل جهة الدار البيضاء – سطات، بما يضمن تأهيل الأقاليم القادرة على لعب أدوار محورية في إنجاح هذا الحدث العالمي.
ويعتبر متابعون أن إقليم الجديدة مؤهل ليكون أحد أهم الأقطاب الداعمة للدار البيضاء خلال هذه التظاهرة الرياضية الدولية، سواء من حيث القدرة الإيوائية أو المؤهلات السياحية أو البنيات الساحلية التي يمكن أن تشكل امتداداً طبيعياً للعاصمة الاقتصادية للمملكة.
غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي، حسب فاعلين محليين، إطلاق مشاريع مستعجلة لتأهيل البنيات التحتية وتحسين شبكات النقل والربط الطرقي والسككي، وتعزيز الخدمات السياحية والثقافية والبيئية، إضافة إلى دعم الاستثمار المنتج القادر على خلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة.
أين تذهب القروض؟
وتتزامن المصادقة على هذا القرض الجديد مع تصاعد الأصوات المطالبة بمزيد من الشفافية حول توزيع المشاريع الممولة من ميزانية الجهة والقروض التي يتم التعاقد بشأنها.
ففي الوقت الذي تتحمل فيه ميزانية مجلس الجهة أعباء مالية متزايدة بسبب خدمة الديون وأداء الفوائد السنوية، يتساءل العديد من المتتبعين عن مدى انعكاس هذه القروض على الواقع التنموي للأقاليم الأقل استفادة من المشاريع الكبرى.
ويرى عدد من الفاعلين أن الاقتراض لا يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته، بل يجب أن يتحول إلى رافعة حقيقية لإحداث تنمية متوازنة بين مختلف أقاليم الجهة، بعيداً عن منطق التركيز الترابي الذي جعل بعض المناطق تستفيد بشكل أكبر من غيرها.
الحاجة إلى عدالة مجالية حقيقية
وتبرز الجديدة اليوم كواحدة من أكثر الأقاليم التي تحتاج إلى دفعة تنموية قوية، ليس فقط بالنظر إلى حجم انتظارات ساكنتها، بل أيضاً بالنظر إلى الدور الاقتصادي والسياحي الذي يمكن أن تضطلع به على مستوى الجهة والمملكة.
فالإقليم يتوفر على مؤهلات كبيرة تؤهله ليصبح قطباً سياحياً واستثمارياً من الطراز الأول، غير أن استثمار هذه الإمكانيات يظل رهيناً بإرادة حقيقية لتوجيه المشاريع الكبرى نحو المنطقة، وتحسين البنيات الأساسية، وتقوية شبكات التنقل، وتأهيل المرافق العمومية والخدمات السياحية والثقافية.
ومع اقتراب موعد المصادقة النهائية على ميزانية سنة 2027، تبدو الأنظار متجهة نحو مجلس جهة الدار البيضاء – سطات لمعرفة ما إذا كان القرض الجديد سيشكل فرصة لتصحيح الاختلالات المجالية القائمة، أم أن إقليم الجديدة سيواصل انتظار نصيبه من مشاريع التنمية التي طال انتظارها.
فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بتعبئة الموارد المالية، بل بكيفية توزيعها بشكل عادل ومنصف بين مختلف أقاليم الجهة، حتى لا تبقى التنمية حكراً على مناطق دون أخرى، وحتى يتمكن إقليم الجديدة، جوهرة دكالة وواجهة الأطلسي، من أخذ المكانة التي يستحقها ضمن الأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب استعداداً لاستحقاقات المستقبل وفي مقدمتها مونديال 2030.
