إعفاء مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة.. هل تفتح وزارة الفلاحة مرحلة جديدة لإعادة ترتيب قطاع الري ومشاريع التأهيل الفلاحي بالجهة؟
في خطوة إدارية لافتة تحمل أكثر من دلالة في سياق إعادة هيكلة عدد من المصالح والمؤسسات المرتبطة بالقطاع الفلاحي، أقدمت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات على إعفاء احساين الرحاوي من مهامه كمدير جهوي للفلاحة بجهة الدار البيضاء-سطات، والذي كان يشغل في الوقت ذاته منصب مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة، مع إلحاقه بالمصالح المركزية للوزارة دون مهمة محددة.
ويأتي هذا القرار في مرحلة دقيقة يمر منها القطاع الفلاحي بالمغرب، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة الموارد المائية، وتداعيات سنوات الجفاف المتتالية، والضغط المتنامي على البنيات التحتية الخاصة بالري والسقي، خاصة بالمناطق الفلاحية الكبرى التي تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي الوطني.
دكالة.. واحدة من أهم السلال الفلاحية بالمملكة
تعد منطقة دكالة من أبرز الأحواض الفلاحية بالمغرب، حيث تلعب دوراً محورياً في الإنتاج الزراعي الوطني، سواء في مجال الحبوب أو الزراعات الكلئية والخضروات والمنتجات الحيوانية.
ويعتبر المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة من المؤسسات الاستراتيجية المكلفة بتدبير وتأهيل الدوائر السقوية ومواكبة الاستثمارات الفلاحية وتنفيذ المشاريع المرتبطة بتحديث أنظمة الري وتحسين مردودية الاستغلاليات الفلاحية.
وخلال السنوات الماضية، أشرف المكتب على عدد من البرامج المندرجة ضمن مخطط “المغرب الأخضر” ثم استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، والتي استهدفت تحديث شبكات الري وتحسين النجاعة المائية وتشجيع التحول نحو أنظمة السقي المقتصدة للمياه.
تحديات الري والبنيات التحتية في قلب المرحلة
مصادر مهتمة بالشأن الفلاحي بدكالة تؤكد أن المنطقة تواجه منذ سنوات إشكالات تقنية وبنيوية مرتبطة بشبكات توزيع المياه والقنوات الرئيسية والثانوية الخاصة بالسقي، وهي ملفات أصبحت تفرض تدخلاً مستمراً لإعادة التأهيل والصيانة وتحديث التجهيزات المرتبطة بالمنظومة السقوية.
وتزداد أهمية هذه الأوراش في ظل الرهانات الوطنية المرتبطة بتدبير الإجهاد المائي، حيث أصبح الحفاظ على كل متر مكعب من المياه أولوية استراتيجية بالنسبة للدولة، خصوصاً بالمناطق ذات النشاط الفلاحي المكثف.
ويرى متابعون أن أي اختلالات أو تأخر في برامج الصيانة والتأهيل قد يؤثر بشكل مباشر على جاهزية الشبكات السقوية مستقبلاً، خاصة عند استئناف الدورات المائية بشكل موسع أو عند تحسن الوضعية الهيدرولوجية للسدود.
رسائل إدارية تتجاوز منطق التغيير العادي
ورغم أن الوزارة لم تصدر توضيحات تفصيلية بشأن خلفيات القرار، إلا أن متابعين يعتبرون أن إعفاء مسؤول بحجم مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة لا يمكن فصله عن الدينامية الجديدة التي تشهدها الإدارة العمومية، والقائمة على رفع مؤشرات النجاعة والسرعة في تنفيذ المشاريع ومواكبة الأوراش الاستراتيجية التي أطلقتها الدولة.
كما يأتي القرار في سياق وطني يتسم بتشديد آليات التتبع والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة داخل القطاعات المرتبطة بالاستثمار العمومي وتدبير الموارد الحيوية وعلى رأسها الماء.
وتعيش مختلف المؤسسات العمومية خلال السنوات الأخيرة على وقع تقييمات دورية للأداء والبرامج المنجزة، بما ينسجم مع التوجهات الجديدة للحكامة العمومية وتجويد الخدمات وتدبير المشاريع الكبرى وفق مؤشرات النجاعة والفعالية.
مرحلة جديدة تنتظر المكتب الجهوي لدكالة
ويُرتقب خلال الفترة المقبلة تعيين مسؤول جديد على رأس المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة، في ظل انتظارات كبيرة من الفاعلين المهنيين والفلاحين بالمنطقة لتسريع عدد من الملفات المرتبطة بالبنية التحتية المائية ومشاريع التأهيل الفلاحي.
كما ينتظر أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز التنسيق بين الإدارة المركزية والمصالح الجهوية، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع المهيكلة، وضمان استمرارية البرامج المرتبطة باستراتيجية “الجيل الأخضر”، التي تراهن عليها الدولة من أجل تعزيز السيادة الغذائية وتحسين دخل الفلاحين وخلق فرص الشغل بالعالم القروي.
رهان الماء أصبح عنوان المرحلة
ويجمع خبراء القطاع الفلاحي اليوم على أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً فقط بالإنتاج أو الاستثمار، بل بقدرة المنظومات الجهوية على التكيف مع التحولات المناخية المتسارعة وضمان تدبير عقلاني ومستدام للموارد المائية.
وفي هذا السياق، تبدو منطقة دكالة أمام مرحلة مفصلية تتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات التقنية والهندسية المرتبطة بالبنيات السقوية، وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات المكلفة بتدبير القطاع، بما يضمن الحفاظ على مكانة الجهة كواحدة من أهم الأقطاب الفلاحية بالمملكة.
وبين قرار الإعفاء وانتظار التعيين الجديد، تبقى الأنظار موجهة نحو ما ستكشف عنه المرحلة المقبلة داخل المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لدكالة، خاصة في ظل الرهانات الكبرى التي يفرضها الأمن المائي والغذائي، والتحولات العميقة التي يعرفها القطاع الفلاحي المغربي في زمن التغيرات المناخية والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
