عامل إقليم الجديدة يفتح ملف سوق “ابن باديس” للباعة المتجولين.. اختلالات تدبيرية تعيد سؤال الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى الواجهة
علمت مصادر مطلعة أن عامل إقليم الجديدة، سيدي صالح داحا، تفاعل مع المعطيات المثارة حول مشروع سوق الباعة المتجولين “ابن باديس”، المنجز في إطار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث تم فتح الملف من جديد للوقوف على حيثياته التقنية والمالية والإدارية، في سياق يتجه نحو تعزيز آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المشاريع العمومية.
ويأتي هذا التحرك، وفق نفس المصادر، في أعقاب ما ورد في تقارير رقابية ومعطيات متداولة بشأن المشروع، الذي كان من المفترض أن يشكل فضاءً منظمًا لإيواء الباعة المتجولين وتحسين ظروف اشتغالهم، قبل أن يثير جدلاً واسعاً حول مدى نجاعته ووظيفته التنموية الفعلية.
مشروع بمواصفات محدودة وكلفة مثيرة للجدل
وبحسب المعطيات المرتبطة بالملف، فقد أُنجز المشروع فوق وعاء عقاري محدود المساحة لا يتجاوز حوالي 500 متر مربع، بغلاف مالي يقارب 1.36 مليار سنتيم، شمل أشغال البناء والدراسات التقنية والهندسية.
غير أن المشروع، ورغم أهميته الاجتماعية المعلنة، لم يحقق إلى حدود الساعة الأهداف التي أُسس من أجلها، حيث ظل غير مفعّل بشكل كامل، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول نجاعة التخطيط، وجودة الإنجاز، وفعالية تتبع المشروع منذ مراحله الأولى إلى مرحلة الاستلام.
تدخل عامل الإقليم لإعادة تقييم الوضع
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن عامل الإقليم، سيدي صالح داحا، باشر فتح ملف هذا المشروع من زاوية تدبيرية شاملة، تروم الوقوف على مكامن الخلل المحتملة في مختلف مراحل الإنجاز، واستجلاء المسؤوليات الإدارية والتقنية المرتبطة به، في إطار مقاربة تهدف إلى تعزيز الحكامة داخل المشاريع ذات الطابع الاجتماعي.
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يتسم بتكثيف المراقبة على المشاريع الممولة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، خاصة تلك الموجهة للفئات الهشة، والتي يفترض أن تترجم أهداف التنمية إلى أثر اجتماعي واقتصادي ملموس.
بين النص الدستوري ومقتضيات الحكامة
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة المقتضيات الدستورية المؤطرة لتدبير المال العام بالمملكة، والتي تؤكد على مبادئ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والجودة في تدبير المرافق العمومية.
فالفصل الأول من دستور 2011 يجعل من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة أحد أسس التنظيم الترابي، فيما يشدد الفصل 154 على ضرورة خضوع المرافق العمومية لمعايير النجاعة والشفافية والمحاسبة.
كما أن الفصل 36 يجرم كل أشكال الإخلال بقواعد النزاهة في تدبير المال العام، بما في ذلك سوء التدبير واستغلال النفوذ وكل الممارسات التي قد تمس مبدأ المصلحة العامة.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تحت المجهر
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة لكونه ممولاً في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أُطلقت سنة 2005 كأحد الأوراش الملكية الكبرى لمحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي.
وقد شددت التوجيهات الملكية في أكثر من مناسبة على ضرورة ضمان النجاعة في إنجاز المشاريع، وحسن استهداف الفئات المستفيدة، وتفادي كل أشكال الهدر أو ضعف الحكامة، بما يحافظ على مصداقية هذا الورش الوطني الاستراتيجي.
مطالب بالوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة
وفي ظل ما أثير حول المشروع، يطالب متتبعون للشأن المحلي بضرورة توضيح مختلف مراحل إنجازه، من البرمجة إلى الدراسات ثم التنفيذ والاستغلال، مع تحديد المسؤوليات الإدارية والتقنية في حال تسجيل اختلالات أو تأخر في تحقيق الأهداف المسطرة.
كما يترقب الرأي العام المحلي أن يسهم فتح هذا الملف في تعزيز الشفافية داخل تدبير المشاريع التنموية، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من المساءلة، بما يضمن حماية المال العام وتحسين جودة الخدمات الموجهة للباعة المتجولين.
نحو إعادة الاعتبار لوظيفة المشروع
ويأمل فاعلون محليون أن يشكل هذا التفاعل الإداري فرصة لإعادة تأهيل المشروع وإخراجه من حالة التعثر، بما يضمن استعادة وظيفته الأصلية كفضاء منظم يساهم في إدماج الباعة المتجولين داخل النسيج الاقتصادي المهيكل.
فنجاح مثل هذه المشاريع، وفق متابعين، لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات المرصودة، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر اجتماعي واقتصادي مباشر، ينسجم مع فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية القائمة على الكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وبين متطلبات الحكامة وتطلعات الساكنة، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل هذا الملف من موضوع جدل إلى نموذج ناجح في التدبير المحلي، يعيد الثقة في المشاريع العمومية الموجهة للفئات الهشة.
