عامل إقليم الجديدة سيدي صالح داحا يقود معركة تنظيم الفضاءات العمومية.. مقاربة جديدة تجمع بين تحرير الشوارع والبعد الاجتماعي للباعة الجائلين
تعيش مدينة الجديدة منذ سنوات على وقع تحديات متراكمة فرضتها ظاهرة احتلال الملك العمومي وانتشار الأسواق العشوائية والباعة الجائلين بعدد من الأحياء والشوارع الرئيسية، وهي وضعية أفرزت مشاهد يومية من الاكتظاظ والفوضى وعرقلة حركة السير والجولان، وأثرت بشكل مباشر على جمالية المدينة وصورتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية على الساحل الأطلسي.
غير أن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرات جديدة على توجه مختلف تقوده السلطات الإقليمية تحت إشراف عامل إقليم الجديدة السيد سيدي صالح داحا، الذي وجد نفسه أمام ملفات ثقيلة وتراكمات عمرت لسنوات طويلة، فرضت اعتماد مقاربة متوازنة لا تقتصر على حملات تحرير الملك العمومي فقط، بل تنفتح كذلك على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بآلاف الأسر التي تعتمد على التجارة غير المهيكلة كمصدر رئيسي للعيش.
تراكمات سنوات من الفوضى
لا يختلف اثنان على أن ظاهرة احتلال الأرصفة والشوارع لم تولد اليوم، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، حيث تحولت العديد من المحاور الحيوية بالمدينة إلى فضاءات تجارية عشوائية، وأصبحت الأرصفة التي يفترض أن تكون مخصصة للراجلين محتلة بالكامل من قبل الباعة الجائلين أو بعض أصحاب المحلات التجارية الذين وسعوا أنشطتهم خارج الحدود القانونية.
وأمام هذا الواقع، وجد عامل الإقليم نفسه أمام إرث ثقيل يتطلب معالجة عميقة تتجاوز الحلول الظرفية والحملات الموسمية التي كانت تنتهي غالباً بعودة الوضع إلى ما كان عليه بعد أيام قليلة من تنفيذها.
مقاربة جديدة.. القانون والبعد الاجتماعي في كفة واحدة
مصادر متطابقة تؤكد أن السلطات الإقليمية تتجه نحو اعتماد رؤية شمولية تقوم على تحرير الفضاءات العمومية وإعادة الاعتبار للشوارع والأرصفة والساحات، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم تجاهل الأوضاع الاجتماعية لفئة واسعة من الباعة المتجولين.
فالمقاربة الجديدة لا تقوم على منطق الزجر فقط، بل على البحث عن حلول عملية ومستدامة تمكن من تنظيم هذا القطاع وإدماج العاملين فيه داخل فضاءات مهيكلة تحفظ كرامتهم وتضمن لهم شروطاً أفضل لممارسة أنشطتهم التجارية.
ويراهن عامل الإقليم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومجالس منتخبة ومصالح خارجية، من أجل بلورة تصور متكامل يحقق التوازن بين احترام القانون والحفاظ على السلم الاجتماعي.
أسواق نموذجية وحلول بديلة
وتشير معطيات متداولة في الأوساط المحلية إلى أن من بين الخيارات المطروحة دراسة إمكانيات إحداث أو تأهيل فضاءات تجارية وأسواق نموذجية قادرة على استيعاب جزء مهم من الباعة الجائلين، بما يضمن انتقالهم من حالة العشوائية إلى فضاءات منظمة تتوفر فيها شروط السلامة والنظافة والتنظيم.
ويعتبر متابعون أن نجاح أي عملية لتحرير الملك العمومي يبقى رهيناً بتوفير بدائل واقعية وقابلة للتطبيق، لأن معالجة الظاهرة من زاوية أمنية أو إدارية فقط لن يكون كافياً لضمان استدامة النتائج.
الجديدة أمام مرحلة جديدة من التأهيل الحضري
وتأتي هذه الدينامية في سياق أوسع تشهده عمالة إقليم الجديدة، يرتبط بعدد من الأوراش التنموية الرامية إلى تحسين جاذبية المدينة وتأهيل بنياتها التحتية والارتقاء بجودة الخدمات والمرافق العمومية.
فالإقليم يعرف خلال السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع مرتبطة بالتأهيل الحضري وتحسين المشهد العمراني وتعزيز البنيات الأساسية، إلى جانب برامج تستهدف تعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية لمدينة الجديدة والمراكز التابعة لها.
ويرى فاعلون محليون أن إعادة تنظيم الفضاءات العمومية تشكل أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح هذه الأوراش، لأن أي مشروع تنموي يظل بحاجة إلى مدينة منظمة تحترم فيها القوانين ويستعيد فيها المواطن حقه في استعمال الأرصفة والساحات العمومية بشكل طبيعي وآمن.
رؤية للمستقبل
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن الرهان المطروح اليوم أمام السلطات الإقليمية بقيادة العامل سيدي صالح داحا لا يتمثل فقط في إزالة مظاهر الفوضى، بل في بناء نموذج جديد لتدبير الفضاء الحضري يقوم على التوازن بين متطلبات النظام العام والاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية.
فمدينة الجديدة، بما تتوفر عليه من مؤهلات سياحية واقتصادية واستراتيجية، تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تجعل من تحرير الملك العمومي مدخلاً لإعادة الاعتبار للمجال الحضري وتحسين جودة العيش وتعزيز جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة.
وبين ضرورة فرض احترام القانون، وواجب إيجاد حلول تحفظ كرامة الباعة الجائلين وتوفر لهم بدائل واقعية، تبدو السلطات الإقليمية اليوم أمام فرصة حقيقية لطي صفحة سنوات من التراكمات، وفتح مرحلة جديدة عنوانها التنظيم والتأهيل والتنمية المستدامة، بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها إقليم الجديدة وتطلعات ساكنته إلى مدينة أكثر نظاماً وجاذبية وجودة للحياة.
