السجن يصل إلى 20 سنة.. المغرب يعلن الحرب على سماسرة الانتخابات والمال الحرام قبل تشريعيات 2026

images (1)

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتجه الدولة إلى خوض واحدة من أكثر المعارك حسما في مواجهة كل محاولات إفساد الاستحقاقات الانتخابية، وذلك عبر ترسانة قانونية غير مسبوقة تستهدف سماسرة الانتخابات، ومروجي المال الحرام، وكل من يسعى إلى الالتفاف على الإرادة الحرة للناخبين.

ففي الوقت الذي بدأت فيه بعض التحركات الانتخابية المبكرة تظهر في عدد من المناطق، وسط حديث عن محاولات لاستمالة الناخبين بوسائل غير مشروعة، بعث المشرع برسالة واضحة مفادها أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى، وأن كل من يثبت تورطه في شراء الأصوات أو استغلال النفوذ أو تزوير إرادة المواطنين سيكون معرضا لعقوبات قد تصل إلى 20 سنة سجنا نافذا.

وتؤكد المعطيات أن بعض الوسطاء والسماسرة يحاولون، مع اقتراب موعد الاقتراع، إعادة إنتاج ممارسات انتخابية طالما أفسدت المشهد السياسي، من خلال استغلال المال المشبوه، والوعود الزائفة، واستعمال شبكات النفوذ للتأثير على اختيارات الناخبين، في ممارسات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتمس بمصداقية المؤسسات المنتخبة.

ولا تقف هذه السلوكيات عند حدود شراء الأصوات فقط، بل تمتد، بحسب متابعين، إلى محاولات التقرب من بعض ممثلي السلطة المحلية أو محاولة التأثير عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما تعتبره الدولة خطا أحمر يمس بحياد الإدارة وهيبة المؤسسات، الأمر الذي يفرض، وفق العديد من المراقبين، أعلى درجات اليقظة والصرامة في مواجهة كل أشكال الضغط أو الاستمالة أو التدخل غير المشروع في العملية الانتخابية.

وفي هذا الإطار، جاء القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب ليؤسس لمرحلة جديدة عنوانها تخليق الحياة السياسية، من خلال توسيع دائرة الجرائم الانتخابية وتشديد العقوبات على كل من يحاول المساس بنزاهة الاقتراع.

ومن بين أبرز المستجدات، إقرار عقوبات سالبة للحرية تتراوح بين خمس وعشر سنوات لكل من يتورط في الاعتداء على صناديق الاقتراع أو الاستيلاء عليها أو انتهاك سرية التصويت، فيما ترتفع العقوبة إلى 20 سنة سجنا إذا ارتكبت هذه الأفعال في إطار مخطط منظم أو جماعي يهدف إلى التأثير على نتائج الانتخابات.

كما شدد القانون الخناق على ظاهرة شراء الأصوات، حيث يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامات مالية قد تصل إلى 100 ألف درهم كل من يقدم أموالا أو هدايا أو امتيازات أو منافع بغرض التأثير على إرادة الناخبين، أو يمارس التهديد أو الضغط أو الترهيب لحملهم على التصويت أو الامتناع عنه، مع تشديد العقوبات إذا كان الفاعل موظفا عموميا أو مكلفا بمهمة إدارية.

ولم يغفل المشرع استغلال الوظيفة العمومية خلال الحملة الانتخابية، إذ نص على عقوبات حبسية وغرامات مالية في حق كل مسؤول أو موظف يستغل موقعه أو نفوذه لخدمة مترشح أو جهة سياسية، تكريسا لمبدأ حياد الإدارة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.

وفي سابقة تشريعية تواكب التحولات الرقمية، وسع القانون دائرة التجريم لتشمل الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالانتخابات، بعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تستعمل أحيانا في نشر الأخبار الزائفة، وصناعة الصور والفيديوهات المفبركة، والتشهير بالمترشحين أو تضليل الرأي العام.

وبموجب المقتضيات الجديدة، يواجه كل من يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي أو وسائل التواصل الاجتماعي لإنتاج أو نشر محتويات مزيفة أو تصريحات مفبركة أو صور معدلة بقصد التأثير على نزاهة الانتخابات أو الإساءة إلى المترشحين، عقوبات تصل إلى خمس سنوات حبسا وغرامات مالية مهمة.

كما جرم القانون نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة التي من شأنها التأثير على اختيارات الناخبين أو التشويش على السير العادي للعملية الانتخابية، في خطوة تهدف إلى حماية الفضاء الرقمي من حملات التضليل التي أصبحت تشكل أحد أخطر التهديدات التي تواجه الديمقراطيات الحديثة.

ومن بين الإجراءات الجديدة أيضا، منع إدخال الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية إلى مكاتب التصويت ولجان الإحصاء، حماية لسرية الاقتراع ومنعا لأي محاولات للتوثيق غير القانوني أو التأثير على الناخبين داخل مكاتب التصويت.

ولا تتوقف العقوبات عند الغرامات أو العقوبات السالبة للحرية، بل تمتد إلى الحرمان من الحقوق السياسية، إذ يمكن أن يحرم المدانون في الجرائم الانتخابية من حق التصويت لمدة خمس سنوات، ومن حق الترشح لفترتين انتخابيتين متتاليتين، فضلا عن العقوبات التكميلية المنصوص عليها قانونا في حالات التزوير والتدليس.

ويرى متابعون أن نجاح هذه الترسانة القانونية لن يقاس فقط بنصوصها، وإنما بمدى صرامة تنزيلها على أرض الواقع، خاصة في مواجهة سماسرة الانتخابات، وشبكات شراء الذمم، وكل من يحاول تحويل المال إلى وسيلة للتحكم في إرادة الناخبين.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تبدو الرسالة التي تبعث بها الدولة واضحة: لا حصانة لأحد، ولا مكان للمال الحرام أو النفوذ غير المشروع أو التلاعب بإرادة المواطنين. فالرهان اليوم هو تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين، وتفرز مؤسسات قوية تستمد مشروعيتها من صناديق الاقتراع، لا من الأموال المشبوهة أو شبكات السمسرة السياسية.

About The Author