اختلالات خطيرة تهز جماعات بجهة الدار البيضاء سطات.. تحقيقات الداخلية تكشف شبهات تبديد المال العام و”سندات طلب” مشبوهة

591841634_1172832238332453_2197871697922056897_n

تعيش عدد من الجماعات الترابية بجهة الدار البيضاء سطات على وقع حالة من الترقب والقلق، بعد المعطيات التي كشفت عن مباشرة مصالح تابعة لوزارة الداخلية أبحاثاً إدارية وتقنية معمقة بشأن شبهات اختلالات خطيرة في تدبير سندات الطلب والنفقات العمومية، في ملفات يُتوقع أن تفتح الباب أمام متابعات إدارية وقضائية ثقيلة خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب المعطيات المتداولة داخل أوساط الجماعات المحلية، فإن لجاناً مركزية مختصة قامت خلال الأسابيع الماضية بعمليات افتحاص ميداني دقيقة همّت عدداً من الجماعات التابعة لجهة الدار البيضاء سطات، حيث لم تقتصر التحريات على فحص الوثائق المحاسبية والإدارية، بل امتدت إلى معاينة الأشغال والخدمات المنجزة على أرض الواقع، مع الاستماع إلى منتخبين وموظفين ومقاولين وممونين، في خطوة تعكس جدية المقاربة الجديدة التي تعتمدها وزارة الداخلية في تتبع صرف المال العام المحلي.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن التحقيقات كشفت مؤشرات مقلقة مرتبطة باستعمال سندات طلب في ظروف تفتقد إلى الشفافية والتنافسية، مع تسجيل شبهات تمرير طلبيات متكررة لفائدة شركات بعينها، بمبالغ مالية تقترب بشكل متكرر من السقف القانوني المحدد لتفادي اللجوء إلى مساطر الصفقات العمومية، وهو ما يثير تساؤلات حول وجود محاولات للتحايل على القانون وتوجيه الطلبات نحو جهات محددة بشكل غير تنافسي.

كما رصدت التحقيقات، وفق المعطيات المتوفرة، اختلالات مرتبطة بصرف اعتمادات مالية تخص مواد بناء وخدمات وأشغال تبين أن جزءاً منها لم يُنجز فعلياً رغم صدور وثائق وفواتير تثبت عكس ذلك، ما يفتح الباب أمام شبهات تتعلق بالتلاعب في الوثائق الإدارية والفواتير وإبراءات الذمة.

وتتحدث مصادر مطلعة عن وجود تناقضات واضحة بين وثائق التسليم والواقع الميداني، إلى جانب الاشتباه في إعداد بعض محاضر التسلم بشكل صوري، في ظل ضغوط مورست على بعض الموظفين أو بتواطؤ محتمل داخل بعض المصالح الجماعية، وهو ما يوسع دائرة المسؤولية لتشمل أطرافاً متعددة داخل منظومة التدبير المحلي.

ولم تتوقف الاختلالات عند حدود سندات الطلب والأشغال البسيطة، بل امتدت – بحسب المعطيات ذاتها – إلى تمرير دراسات تقنية وهندسية لفائدة مكاتب لا تتوفر على الشروط القانونية والاعتمادات المهنية المطلوبة، وهو معطى يثير مخاوف حقيقية حين يتعلق الأمر بمشاريع مرتبطة بالبنيات التحتية أو المنشآت العمومية التي قد تمس بشكل مباشر سلامة المواطنين وجودة المشاريع المنجزة.

ويرى متابعون أن ما يجري داخل بعض الجماعات بجهة الدار البيضاء سطات يعكس أزمة أعمق تتعلق بالحكامة المحلية وفعالية آليات المراقبة الداخلية، خاصة مع تكرار الحديث عن تهميش أدوار بعض المتدخلين في المراقبة المالية والإدارية، وإضعاف منظومة التتبع والمحاسبة داخل عدد من الجماعات الترابية.

كما أعادت هذه المعطيات إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير المال العام المحلي، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص داخل الجماعات، خصوصاً في ظل تنامي الانتقادات المرتبطة بما يعتبره فاعلون مدنيون “اقتصاداً خفياً للطلبيات العمومية”، تتحكم فيه شبكات مصالح وعلاقات ضيقة على حساب الجودة والمنافسة الشريفة.

وفي سياق متصل، يثير غياب النشر المنتظم للبرامج التوقعية للصفقات العمومية داخل عدد من الجماعات تساؤلات إضافية حول مدى احترام المقتضيات القانونية المنظمة للصفقات العمومية، حيث يعتبر متابعون أن غياب المعطيات عن الرأي العام والمجتمع المدني يضعف الرقابة المجتمعية ويفتح المجال أمام مزيد من الاختلالات والتجاوزات.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً في وتيرة المحاسبة، خاصة مع الحديث عن إمكانية إحالة بعض الملفات التي تكتسي طابعاً جنائياً على الجهات القضائية المختصة في جرائم الأموال، في إطار توجه رسمي متزايد نحو تشديد الرقابة على تدبير الجماعات الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي العمق، تكشف هذه التطورات حجم التحديات التي ما تزال تواجه منظومة التدبير الترابي بالمغرب، رغم الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي عرفتها الجماعات خلال السنوات الأخيرة، إذ يبدو أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط بتوفير الميزانيات أو إطلاق المشاريع، بل بمدى القدرة على ترسيخ ثقافة الحكامة والشفافية والنزاهة داخل الإدارة المحلية، بما يضمن حماية المال العام وتحقيق تنمية حقيقية تعود بالنفع على المواطنين بدل أن تتحول إلى مصدر جديد للاختلالات والاستنزاف.

About The Author