ملف دعم الجمعيات بجماعة مولاي عبد الله أمام القضاء.. تحقيقات معمقة في شبهات تدبير أموال فترة الجائحة
دخل ملف تدبير الدعم العمومي المخصص للجمعيات بجماعة مولاي عبد الله أمغار، التابعة لإقليم الجديدة، مرحلة قضائية جديدة، بعدما مثل عدد من المشتبه فيهم أمام قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في إطار الأبحاث الجارية بشأن شبهات تتعلق بتدبير أموال عمومية خلال فترة جائحة كوفيد-19.
ويعد هذا الملف من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام المحلي والإقليمي خلال السنوات الأخيرة، بالنظر إلى طبيعة المعطيات الواردة في التقارير الرقابية الرسمية، وحجم المبالغ المالية التي كانت موضوع تدقيق وتحريات من قبل الجهات المختصة.
من شكاية إلى تحقيقات الفرقة الوطنية
وتعود بداية القضية إلى شكاية تقدمت بها المنظمة المغربية لحماية المال العام أمام الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، طالبت من خلالها بفتح تحقيق حول ظروف وملابسات صرف إعانات مالية لفائدة عدد من الجمعيات خلال فترة الجائحة.
وبعد دراسة المعطيات الأولية، أحالت النيابة العامة الملف خلال سنة 2023 على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، التي باشرت أبحاثاً وتحقيقات موسعة استمرت عدة أشهر، شملت جمع الوثائق والاستماع إلى عدد من المسؤولين والمنتخبين وممثلي الجمعيات والمقاولات ومختلف الأطراف ذات الصلة بالملف.
ومع انتهاء الأبحاث التمهيدية، أعيد الملف إلى النيابة العامة المختصة التي قررت إحالته على قاضي التحقيق من أجل تعميق البحث وتحديد المسؤوليات المحتملة في ضوء المعطيات المتوفرة.
أكثر من مليار ونصف سنتيم تحت المجهر
ووفق المعطيات المتداولة، فإن التحقيقات تهم طريقة تدبير منح ودعم مالي استفادت منه جمعيات خلال سنتي 2020 و2021، وهي الفترة التي تزامنت مع التداعيات الصحية والاقتصادية لجائحة كورونا.
وتشير تقارير رقابية إلى أن الاعتمادات المالية المخصصة للجمعيات بلغت مستويات مهمة خلال تلك المرحلة، حيث تجاوزت قيمة الدعم الممنوح خلال سنة 2020 ما يقارب 999 مليون سنتيم، فيما ناهزت خلال سنة 2021 حوالي 690 مليون سنتيم، استفادت منها مجموعة من الجمعيات العاملة بالنفوذ الترابي للجماعة.
غير أن تقارير التفتيش سجلت مجموعة من الملاحظات المرتبطة بمساطر منح الدعم وتتبع أوجه صرفه، من بينها ملاحظات تخص تنفيذ بعض الأنشطة الممولة ومدى مطابقتها للأهداف التي رُصدت من أجلها الاعتمادات المالية.
كما تحدثت تقارير رقابية أخرى عن شبهات مرتبطة بصرف مبالغ مهمة لفائدة جمعيات خلال فترة الجائحة، في وقت كانت فيه العديد من الأنشطة والتظاهرات تعرف قيوداً استثنائية مرتبطة بحالة الطوارئ الصحية التي كانت مفروضة آنذاك.
مسؤولون ومنتخبون ومقاولون أمام التحقيق
ويشمل التحقيق الحالي عدداً من الأشخاص من بينهم منتخبون ومسؤولون محليون وممثلو جمعيات ومقاولون ومهندسون، وذلك في إطار الحرص على الاستماع إلى مختلف الأطراف المرتبطة بالملف وتحديد مدى مسؤولية كل طرف بناءً على الوثائق والمعطيات المتوفرة لدى القضاء.
وتبقى جميع الأطراف المعنية مشمولة بقرينة البراءة المكفولة قانوناً إلى حين انتهاء التحقيقات القضائية وصدور أحكام نهائية من الجهات المختصة.
المال العام تحت رقابة مشددة
ويرى متابعون أن أهمية هذا الملف لا تكمن فقط في طبيعته القضائية، بل في كونه يعكس تنامي دور آليات الرقابة والتفتيش في تتبع تدبير الشأن المحلي، خاصة ما يتعلق بكيفية صرف الأموال العمومية الموجهة للدعم الجمعوي والمشاريع ذات الطابع الاجتماعي والثقافي.
كما يؤكد هذا المسار حجم الاهتمام الذي باتت توليه الدولة لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تفعيل أدوار مؤسسات المراقبة والتفتيش والنيابة العامة والأجهزة الأمنية المختصة.
انتظار كلمة القضاء
وتتواصل حالياً جلسات التحقيق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث القضائية الجارية من معطيات ونتائج قد تحدد طبيعة المسؤوليات القانونية المحتملة في هذا الملف.
وبين التقارير الرقابية والتحقيقات القضائية، يظل ملف جماعة مولاي عبد الله واحداً من أبرز الملفات التي يتابعها الرأي العام بإقليم الجديدة، في انتظار الكلمة الفصل للعدالة، باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها الحسم في الوقائع وترتيب الآثار القانونية المترتبة عنها.
وتؤكد هذه القضية، مرة أخرى، أن تدبير المال العام أصبح اليوم أكثر خضوعاً لآليات المراقبة والتتبع، وأن مؤسسات الرقابة والقضاء تواصل أداء دورها في تعزيز الشفافية وصون الثقة في المؤسسات المنتخبة وحماية الموارد العمومية من كل أشكال سوء التدبير أو الاختلالات المحتملة.
